الحلبي
537
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لو كان رؤيا الإسراء مناما لما أنكر عليه في ذلك : أي وقيل نزلت وقد رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم ولد الحكم بن أبي العاص أبي مروان وهم بنو أمية على منبره كأنهم القردة ، وقد ورد « رأيت بني مروان يتعاورون منبري » وفي لفظ « ينزون على منبري نزو القردة » زاد في رواية « فما استجمع صلى اللّه عليه وسلم ضاحكا حتى مات » وأنزل اللّه تعالى في ذلك وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : الآية 60 ] وفي رواية : فنزل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) [ الكوثر : الآية 1 ] وفي رواية : فنزل إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) [ القدر : 1 - 3 ] قال بعضهم : أي خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية ، فإن مدة ملك بني أمية كانت اثنتين وثمانين سنة ، وهي ألف أشهر وكان جميع من ولي الخلافة منهم أربعة عشر رجلا ، أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد . وقد قيل لبعضهم : ما سبب زوال ملك بني أمية مع كثرة العدد والعدد والأموال والموالي ؟ فقال : أبعدوا أصدقاءهم ثقة بهم ، وقربوا أعداءهم جهلا منهم ، فصار الصديق بأبعاد عدوا ، ولم يصر العدوّ صديقا بالتقريب له ، وحديث « رأيت بني مروان » إلى آخره . قال الترمذي : هو حديث غريب ، وقال غيره منكر ، قال صلى اللّه عليه وسلم ورأيت بني العباس يتعاورون منبري فسرني ذلك : وقيل إن هذه الآية أي آية . وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : الآية 60 ] إنما نزلت في رؤيا الحديبية ، حيث رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه وأصحابه يدخلون المسجد محلقين رؤوسهم ومقصرين ، ولم يوجد ذلك بل صدهم المشركون ، وقال بعض الصحابة له صلى اللّه عليه وسلم : ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قالوا : لا ، قال فهو كما قال جبريل عليه الصلاة والسلام كما سيأتي ذلك في قصة الحديبية . وقيل : إنما نزلت هذه الآية في رؤيا وقعة بدر ، حيث أراه جبريل مصارع القوم ببدر ، فأرى النبي صلى اللّه عليه وسلم الناس مصارعهم ، فتسامعت بذلك قريش فسخروا منه ، أي ولا مانع من تعدد نزول هذه الآية لهذه الأمور ، فقد يتعدد نزول الآية لتعدد أسبابها . قال ابن حجر الهيتمي : إن اتحاد النزول لا ينافي تعدد أسبابه : أي وذلك إذا تقدمت الأسباب ، ويروى أنه عين لهم اليوم الذي تقدم فيه العير : أي قالوا له : متى تجيء ؟ قال لهم : يأتوكم يوم كذا وكذا ، يقدمهم جمل أورق عليه مسح آدم وغرارتان ، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون ذلك وقد ولي النهار ولم تجيء حتى كادت الشمس أن تغرب أي دنت للغروب ، فدعا اللّه تعالى فحبس الشمس عن الغروب حتى قدم العير : أي كما وصف صلى اللّه عليه وسلم . أقول : يجوز أن يكون هذا بالنسبة لبعض العيرات التي مرّ عليها فلا يخالف ما تقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم قال في بعض العيرات إنها الآن تصوب من الثنية ، وإلى حبس الشمس